أبي الحسن علي بن فضال المجاشعي
130
النكت في القرآن الكريم في معانى القرآن الكريم واعرابه
ويروى « 1 » عن ابن عباس وابن مسعود - رضي اللّه عنهما - أنّ آدم عليه السّلام يكون خليفة للّه تعالى ؛ يحكم بالحق في أرضه ، إلّا أنّ اللّه تعالى أعلم الملائكة أن يكون من ذريته من يسفك الدّماء ويفسد في الأرض . ويسأل عن الألف من قوله : أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها [ البقرة : 30 ] ؟ وقد اختلف فيها ؛ فقال أبو عبيدة « 2 » والزجاج « 3 » : هي ألف إيجاب كما قال جرير « 4 » : ألستم خير من ركب المطايا * وأندى العالمين بطون راح هذا إيجاب وليس باستفهام ، وهذا القول غير مرضي ، وإنما غلط من قال هذا من قبل أنّ اللّه تعالى قال : إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً [ البقرة : 30 ] فلا يجوز أن يشكّوا فيما أخبرهم اللّه تعالى فيستفهموا منه ، فلهذا منعوا أن يكون استفهاما . وليس يوجب الاستفهام الشّكّ في أنّه سيجعل ، وإنّما يوجب الشّكّ في أنّ حالهم يكون مع الجعل ، وترك الجعل في الاستقامة والصّلاح سواء « 5 » . وأصل الألف للاستفهام ، قال علي بن عيسى « 6 » قال بعض أهل العلم : هو استفهام « 7 » ، كأنّهم قالوا أتجعل فيها من يفسد . وهذه حالنا في التّسبيح والتّقديس ، أم الأمر بخلاف ذلك ، فجاء الجواب على طريق التّعريض من غير تصريح في قوله : إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ [ البقرة : 30 ] ، قال : وهذا الاختيار ؛ لأنّ أصل الألف للاستفهام ، فلا يعدل بها عنه إلا أن لا يصح التأويل عليه . سمعت أبا محمد مكي بن أبي طالب « 8 » - بعض شيوخنا - يقول : الاستفهام فيه معنى الإنكار ، ولا يجب أن تحمل الألف عليه ، وكان
--> ( 1 ) ينظر النكت والعيون : 1 / 56 ، والتفسير الكبير : 2 / 181 ، والبحر المحيط : 1 / 140 . ( 2 ) ينظر مجاز القرآن : 1 / 35 . ( 3 ) معاني القرآن وإعرابه : 1 / 102 ، ومعاني الحروف : 33 . ( 4 ) ديوانه : 98 ، وهو جرير بن عطية بن حذيفة الخطفي . طبقات فحول الشعراء : 2 / 374 ، والشعر والشعراء : 309 . وينظر مجاز القرآن : 1 / 35 ، ومعاني القرآن للزجاج : 1 / 102 . ( 5 ) ينظر جامع البيان : 1 / 165 . ( 6 ) هو الرماني ( ت 384 ه ) ينظر ترجمته في : البلغة : 159 . وينظر معاني القرآن وإعرابه : 1 / 102 . ( 7 ) ينظر معاني القرآن للأخفش : 1 / 56 ، والمفردات : 34 . ( 8 ) القيسي المقرئ ( ت 437 ه ) . ينظر نزهة الألباء : 254 ، وطبقات القراء : 2 / 309 .